شخصيات تاريخية

السلطان سليم الأول | السلطان الغازي

 

اليوم يبحر معنا أبو العُرّيف عبر الزمان ليحضر شخصية استطاع تغير خارطة الشرق الاوسط ولا يزال تأثيرها يقبع على شعوب المنطقة العربية حتى يومنا هذا، اليوم أبو العُرّيف يحضر شخصية السلطان سليم الأول، تعالوا معنا لنتعرف عليه ونعرف ماله وما عليه

السلطان سليم الأول

سليم الأول او السلطان الغازي هو سليم الأول هو إبن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح والسيدة عائشة كلبهار خاتون، وُلد بتاريخ 10 أكتوبر عام 1470م في مدينة أماسيا الأناضوليّة على ساحل البحر الأسود، هو تاسع سلاطين الدولة العثمانية.

لقب السلطان سليم الأول بعدة القاب في الكثير من المصادر العربية والأجنبية منعا القاطع والشجاع والعابس. سليم الأول هو اول من أطلق على نفسه لقب خليفة المؤمنين من البيت العثماني، ليصبح وخليفة المسلمين الرابع والسبعون.

وصل سليم الأول إلى عرش السلطنة بعد انقلاب قام به على ولده السلطان بايزيد الثاني بدعم من فرق الإنكشارية وخاقان القرم، ونجح بمؤازرتهم بمطاردة إخوته وأبنائهم والقضاء عليهم جميعاً، حتى لم يبق له منازع في الحكم. وفي عهده ظهرت السلالة الصفوية الشيعية في إيران وأذربيجان، ونشبت بينها وبين العثمانيين حرب ضروس انتصر فيها السلطان سليم الأول.

 شهد عهد السلطان تحول الجهاد والغزو من الاتجاه الى اوروبا وتحول الي الشرق العربي نحو السلطنة المملوكية فغزا أراضيها وقضى عليها نهائيًا بعد أن استمر حمكها في مصر نحو ما يقرب من 267 سنة، اتسعت رقعة الدولة اتساعًا كبيرًا لشملها بلاد الشام والعراق والحجاز وتهامة ومصر.

وكان من نتيجة فتوحات السلطان سليم الغازي، ازدهرت الدولة العثمانية في أيامه بشكل كبير نتيجة توسع الدولة وأصبحت إحدى تمتلك أهم طرق التجارة البريّة وهي طريق الحرير ودرب التوابل، بالإضافة الى عدد من المرافئ المهمة في شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر.

تميز عهد السلطان سليم الأول عما سبقه من العهود بأن الفتوحات تحولّت في أيامه من الغرب الأوروبي إلى الشرق العربي، حيث اتسعت رقعة الدولة اتساعًا كبيرًا لشملها بلاد الشام والعراق والحجاز وتهامة ومصر، حتى بلغت مساحة أراضيها حوالي مليار فدّان يوم وفاته. وكان من نتيجة فتوحات السلطان سليم أن ازدهرت الدولة العثمانية في أيام خليفته، “سليمان الأوّل”، بعد أن أصبحت إحدى أهم دروب التجارة البريّة: طريق الحرير ودرب التوابل، تمر في أراضي الدولة، ولاكتسابها عدد من المرافئ المهمة في شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر.

حياة سليم الأول قبل الوصول للحكم

حياته قبل السلطنة

ولد سليم الأول في 10 أكتوبر من عام 1470 للسلطان بايزيد الثاني بن محمد الفاتح وولدتها هي السيدة عائشة گلبهار خاتون، أميرة من سلالة ذي القدر التركمانية، في مدينة أماسيا على ساحل البحر الأسود في الأناضول.

وهو أحد الأولاد الذكور الثمانية للسلطان بايزيد، الذين توفي منهم خمسة أطفال في عمار صغيرة وبقي ثلاث ابنا هما شاهزاده قورقود، وأحمد بن بايزيد، وسليم بالإضافة الى واخت واحدة وهي عائشة خاتون.

ويعرف عن الاخوة ثلاثة الاختلاف في الاهواء والاتجاهات وحتى الآراء، فكان الأمير قرقود محبًا للعلوم والآداب والفنون ومنشغل دائما بمجالسة العلماء والدراسة، لذا كان يمقته الجيش لعدم ميله للحرب.

اما الأمير أحمد فكان محبوبًا لدى الأعيان والأمراء، وكان الصدر الأعظم “علي باشا الخادم” مخلصًا وتابعاً له. أما سليم فكان محبًا للحرب شرس الطباع ومحبوبًا لدى الجند عمومًا والإنكشارية خصوصًا.

ونتيجة خوف من وقوع الشقاق بين الأمراء لاختلافهم في وجهات النظر وتباينهم في الآراء، قام السلطان بايزيد بالتفريق بين أبنائه وعيّن “قرقود” واليًا على إحدى الولايات البعيدة، و”أحمد” على أماسيا، وسليمًا على طرابزون.

حكم طرابزون

تولّى سليم إدارة طرابزون وهو ما زال في الحادي عشر من عمره، واستمر يديره بحزم ودراية، من عام 1481 حتى عام 1510، فعاصر الأيام الأولى لبروز السلالة الصفوية في إيران وأذربيجان، وأدرك أن نفوذ الصفويين المتوسع شيئًا فشيئًا قد يُشكل خطرًا على الدولة العثمانية في المستقبل.

عارف عن سليم الأول أتقن أمور الحكم والسياسة منذ صغره واثناء حكمه طرابزون وبرع فيها، فحسّن العلاقات العثمانية مع دول الجوار، وحمل على جورجيا عدّة حملات عسكرية لمعاقبة حكّامها على ما أطلقوه من الدعاية المعادية للعثمانيين، فغزا مدن قارص وأرضروم وأرتڤين الخاضعة للسيادة الجورجيّة، وضمها للدولة العثمانية سنة 1508، وكان من نتيجة ذلك أن اعتنق جميع الجورجيين المقيمين في تلك المدن الإسلام، وكانت لتلك الحملات كثير الأثر على تعلق الجنود بسليم وإخلاصهم له على ما أظهره من الشجاعة وحسن التنظيم في تلك الحملات.

العصيان على السلطان

في أواخر عهد السلطان بايزيد أضرم أولاده نار الحروب الداخلية لأسباب متعددة، ولم تخمد إلا بعد وفاته. فقد قام السلطان على تعيين الأمير سليمان حقيدة من ابنه سليم واليًا على “كافا” من بلاد القرم، وهو القرار الذي اغضب سليم، حتى انه ترك مقر ولايته وسافر إلى كافا بالقرم، وأرسل إلى أبيه يطلب منه تعيينه في إحدى ولايات أوروبا، فلم يقبل السلطان بل أصر على بقائه بطرابزون.

في الجانب الاخر عندما علم الأمير أحمد أكبر أولاد السلطان بهذا الامر والذي كان يخشى من أن سليم يسعى إلى العرش، فاغتنم مسألة انتصاره حديثًا على جيش مكوّن من تحالف تركماني-صفوي في آسيا الصغرى، وسار إلى القسطنطينية على رأس جنوده ليستعرض مقدرته العسكرية أمام والده وأشقاءه على حد سواء.

وما أن علم سليم بفعل أخيه حتى أثار فتنة في تراقيا وعصى والده جهارًا، وسار بجيش جمعه من قبائل التتار إلى بلاد الروملي، فأضطر السلطان الى أرسل جيشًا لإرهابه ولده، لكنه لما وجد من ابنه التصميم على المحاربة وعدم ارتداعه، قبل تعيينه بأوروبا حقنًا للدماء، وعينه واليًا على مدينتيّ “سمندريه” و”ڤيدن” في الصرب، ورفض السماح لابنه الآخر “أحمد” بالدخول إلى العاصمة خوفًا من أن يُقدم الأخير على خلعه أو قتله ليتولى مقاليد السلطنة.

تنصيب سليم الأول سلطانًا

ولما وصل إلى قرقود خبر نجاح أخيه سليم في مسعاه، انتقل إلى ولاية صاروخان واستلم إدارتها بدون أمر أبيه ليكون قريبًا من القسطنطينية عند الحاجة.

فقام السلطان بايزيد بدعوة ديوانه للانعقاد والتشاور في مسألة تنصيب أحد الأمراء خلفًا له، فاستقر الرأي على تنصيب الأمير أحمد سلطانًا، ما أن وصله الخبر الى سليم حتى أعلن الثورة على والده، فسار إلى مدينة أدرنة واستولى عليها وأعلن نفسه سلطانًا، فأرسل والده إليه جيش كبير فهزمه وأضطر للهرب الى ببلاد القرم.

كما أرسل السلطان جيشًا آخر لمحاربة “قرقود” بآسيا الصغرى، فهزمه أيضًا وفرّق جيشه، ثم استدع الأمير أحمد إلى القسطنطينية فورًا لتولّي مقاليد الحكم، فدخل المدينة في اليوم التالي وأًعلن سلطان.

هذا الامر جعل الإنكشارية ينظموا ثورة في المدينة ورفضوا الاعتراف به حاكمًا عليهم وطالبوا السلطان بايزيد بالعفو عن ابنه سليم وإعادته إلى ولاية سمندرية لشدة تعلقهم به، واعتقادهم بأنه هو الوحيد المؤهل لدرء الخطر الصفوي عن الدولة العثمانية.

في نفس الوقت الذي علم الإنكشارية شاه الصفويين، “سماعيل الأول بن حيدر، كان يناصر الأمير أحمد في نضاله للوصول إلى كرس العرش، فخاف الإنكشارية من أن يبدأ الصفويين بالتدخل في الشؤون التركية وينشروا المذهب الشيعي في البلاد كما فعلوا في إيران وأذربيجان.

واضطر السلطان للعفو عن سليم وسمح له بالعودة إلى ولايته، وفي أثناء توجهه إليها قابله الإنكشارية وأتوا به إلى وساروا به إلى سراي السلطان وطلبوا منه التنازل عن المُلك لولده سليم، فقبل وتنحى عن العرش في يوم 25 أبريل سنة 1512، وتولّى سليم مقاليد الحكم رسميًا في الثالث والعشرين من مايو من نفس السنة.

اعتلاؤه العرش ومحاربة إخوته

ما لبث سليم أن توج سلطانًا حتى أعلن أخاه أحمد العصيان ورفضه الخضوع له، ونصب نفسه حاكمًا على أنقرة، وأرسل ابنه “علاء الدين” فاحتل مدينة بورصة في 19 يونيو سنة 1512، وراسل الوزير “مصطفى باشا” يخبره عن عزمه توطيد نفوذه وخلع أخيه ووعده بمنصب كبير إن نقل إليه جميع تحركات سليم واخباره.

وكان السلطان سليم قد عقد العزم على القضاء على إخوته وأولاد إخوته حتى ولا يبقى له منازع في السلطانة، فقام بتعين سليمان ابنه حاكمًا للقسطنطينية، وسافر بجيوشه إلى آسيا الصغرى، فاقتفى أثر أخيه أحمد إلى أنقرة، ولم يتمكن من القبض عليه لوصول خبر قدومه إليه عن طريق الوزير “مصطفى باشا”. والذي عرف سليم بخيانته وقتله، ثم ذهب إلى بورصة حيث قبض على خمسة من أولاد إخوته بما فيهم “علاء الدين” وأمر بقتلهم جميعًا.

وبعدها توجّه بسرعة إلى صاروخان مقر أخيه “قرقود” ففر منه إلى الجبال، وبعد البحث عنه عدّة أسابيع قُبض عليه وقُتل. أما أحمد فجمع جيشًا من محاربيه وقاتل الجنود العثمانية، فانهزم وقُتل بالقرب من مدينة يكي شهر في يوم 24 أبريل سنة 1513.

وبهذا استقر له الحكم وأصبح بالا منازع في حكم الدولة كلها، فعاد إلى مدينة أدرنة حيث كان بانتظاره وعقد عدة معاهدات مع جمهورية البندقية ومملكة المجر ودوقيّة موسكو والسلطنة المملوكيّة، نظرا لتخوفه من واطماعها التي كانت متجهة إلى بلاد فارس التي كانت أخذت في النمو والاتساع في عصر ملكها، الشاه “إسماعيل الأوّل بن حيدر الصفوي”

حرب السلطان سليم الأول وفتوحاته في بلاد الشرق

الحرب ضد الصفويين

ما ان فرغ السلطان سليم من مشاكله مع إخوته، وعقد الصلح مع جيرانه الأوروبيين، سعى لإيجاد سبب للحرب، فأمر بحصر عدد الشيعة المنتشرين في الولايات المتاخمة لبلاد فارس بشرق الأناضول وقتلهم جميعًا، وتذكر بعد المصادر ان عددهم كام بلغ نحو الأربعين ألفًا من القزلباش حتى يقضي على أي تمرد قد يحدث مستقبلاً منهم.

 وبعد حدوث هذه المذبحة هب الشاه إسماعيل يطالب بثأر، فهاجم آسيا الصغرى، مما دفع السلطان سليم بدعوة رجال الحرب والعلماء والوزراء في مدينة أدرنة، وذكر لهم خطورة إسماعيل الصفوي في إيران، وأنه اعتدى على حدود الدولة العثمانية، وأنه عامل أهل السنة والجماعة بعنصرية في دولته وفي آسيا الوسطى والهند وأفغانستان وإنه يجب الدفع عن إخوانهم في تركيا والعراق ومصر، وانه من الضروري إعلان الجهاد المقدس ضد الدولة الصفوية.

لم يجد السلطان العثماني صعوبة في إقناع الحاضرين بضرورة محاربة الصفويين، وخرج بعد 3 أيام من هذا الاجتماع على رأس جيش كبير من أدرنة إلى القسطنطينية متجهًا إلى تبريز بعد أن أوكل أمر العاصمة لابنه سليمان.

أستطاع الجيش الثماني هذيمه الصفويين في معركة چالديران وتم اسر العديد من قادة الجيش الصفوي وحتى إحدى زواجات الشاة والتي أحد قادته، واستطاع الشاه الهرب بعد الهزيمة التي لحقت به فأرسل السلطان سليم أحمد باشا دوقاقين أوغلو ليتعقب الشاه، ولكنه استطاع الهرب أيضا. أما من وقع بالأسر من قوات الشاه إسماعيل، فقد أمر السلطان بإعدامهم جميعًا، وأن يصنع من جماجم القتلى هرم لينصب في ساحة المعركة.

بعد انتصار العثمانيين في معركة چالديران، فتحت مدينة تبريز أبوابها ودخلها السلطان منصورًا في يوم 4 سبتمبر سنة 1514، واستولى على خزائن الشاه وأرسلها إلى القسطنطينية. ثم أراد المسير في اعقاب الشاة إسماعيل ولكنه ترجع عن ذلك نتيجة ضغط قادته لقدوم فصل الشتاء وثله المون وكذلك أثرت الغارات الليلية التي كان يشنها جنود القزلباش على القوات العثمانية، ودخولهم تبريز لخطف وقتل الجنود العثمانيين، لذلك قرر السلطان إخلاء المدينة بعد أسبوع فقط من احتلالها ناقلاً معه آلافًا من أبرز تجارها وحرفييها وعلمائها إلى الأستانة.

عاد السلطان سليم إلى مدينة أماسيا بآسيا الصغرى للاستراحة زمن الشتاء والاستعداد للحرب في أوائل الربيع، وما ان اقبل فصل الربيع، حتى رجع السلطان إلى بلاد فارس ففتح قلعة “كوماش” الشهيرة، وإمارة ذو القدر التركمانية سنة 1515، ثم رجع إلى القسطنطينية تاركًا لقواده مهمة فتح الولايات الفارسية الشرقية.

ما لبث السلطان ان وصل إلى عاصمة، حتى أمر بقتل عدد كبير من ضباط الإنكشارية الذين كانوا سبب الامتناع عن التقدم في بلاد فارس، وفي مقدمتهم قاضي العسكر “جعفر چلبي” الذي اوعز لهم بعدم التقدم، خشية من امتداد الفساد وعدم الإطاعة في الجيوش.

 وبعد عودة السلطان للقسطنطينية، فتحت الجيوش العثمانية مدن ماردين وأورفة والرقة والموصل وسنجار وحصن كيفا والعمادية وجزيرة ابن عمر، فخضع بهذا الجزء الأكبر من إقليم كردستان للدولة العثمانية، وأصبح الصفويون وجهًا لوجه مع العثمانيين، فبات من الصعب عليهم التوسع على حساب العثمانيين،

ودخلت القبائل الكرد كافة باختيارها تحت طاعة الدولة العثمانية، ونهض رؤسائها لمساندة العثمانيين وأعلنوا ولاءهم للسلطان سليم، ولم يمض وقت طويل حتى انضمت 23 مدينة للحكم العثماني، على الرغم من الاستحكامات العسكرية التي أقامها الصفويون بها، فعقد السلطان مع الأكراد اتفاقية صداقة وتحالف وذلك بفضل جهود الشيخ “إدريس البدليسي”، الذي نصبه السلطان كمفوض للإدارة الأهلية بتلك الأقاليم مكافأة له على ما قدمه من خدمات للسلطنة.

فتح مصر

الحرب ضد المماليك

كان لحرب السلطان العثماني سليم الأول ضد دولة المماليك العديد من الاسباب منها الصراع على الحدود بين الدولتين وموقف المماليك من الصفويين، وإيوائهم لأمراء عثمانيين فارين من السلطنة العثمانية، واستغاثة أهل الشام بالعثمانيين من ظلم المماليك حيث كتبوا رسالة باسم العلماء والفقهاء والقضاة يطلبون من سليم الأول تخليصهم من ظلم المماليك الذي طال المال والنساء والعيال، كما عطلوا تطبيق الشريعة الإسلامية في حكم البلاد، وطلبوا أن يرسل السلطان وزيراً ليلتقي بكبار الرجالات ليؤمن ويطمئن قلوب الشعب.

أخذ السلطان سليم بالاستعداد لمحاربة المماليك بكل ما أوتي من قوة بعد أن تغلّب على أمير سلالة ذي القدر، ولما علم المماليك اعتزام العثمانيين على الحرب، أرسل السلطان قانصوه الغوري إليه رسولاً يعرض عليه أن يتوسط بينه وبين الفرس لإبرام الصلح، فلم يقبل السلطان سليم بهذا الأمر بل طرد السفير بعد أن أهانه، فلم يجد المماليك بدًا من الحرب، فسار إلى مدينة حلب على رأس جيش كبير لكي يكون على استعداد لكل هجوم قد يشنه العثمانيون على الشام.

ولم يكد السلطان سليم يعلم باحتشاد المماليك عند حلب حتى عقد ديوانه في القسطنطينية لمشاورته في الأمر، فقرّر الديوان إعلان الحرب على المماليك بعد أن يوفد إليهم سفراء يفاوضونهم في الدخول في طاعة السلطان سليم. وارتكب قانصوه الغوري غلطة سياسية كبيرة عندما أغلظ معاملة السفراء العثمانيين وأهانهم ردًا على ما فعله سليم مع سفيره، فلم يكن بُدّ من نشوب الحرب بينه وبين السلطان سليم. وبعد هذه الحادثة، سار السلطان سليم بجيشه إلى بلاد الشام قاصدًا مصر ومدينة القاهرة، مقر السلاطين المماليك.

معركة مرج دابق

استعد المماليك للمعركة بشكل جيد واظهروا بسالة منقطعة النظير في اثناء المملكة وقاموا بهجوم خاطف زلزل أقدام العثمانيين، وأنزل بهم خسائر فادحة، حتى فكّر السلطان سليم في التقهقر، وطلب الأمان، ولكن حدث ما كان غير متوقع فسرعان ما دب الخلاف بين فرق المماليك المحاربة، حيث انقلب فرقتين من قوات المماليك وانضمت الى قولت العثمانيين فرجحت كفّة العثمانيين على كفّة قانصوه الغوري. وكان لسلاح المدفعيّة الذي عززه العثمانيين وأهمله المماليك كبير الأثر في نصر العثمانيين.

قتل السلطان الغوري أثناء انسحاب المماليك وهو في عامه الثمانين يوم الأحد 24 أغسطس سنة 1516.

فتح الشام

وبعد هذه الموقعة دخل السلطان سليم بكل سهولة مدن حماة وحمص ودمشق، وعيّن الغزالي الذي انحاز اليه في المعركة واليًا عليها مكافأة له، وقابل من بها من العلماء، فأحسن وفادتهم. وفرّق الإنعامات على المساجد وأمر بترميم المسجد الأموي بدمشق.

تعرف على شخصية صلاح الدين من خلال عيون ابو العريف 

 صلّى السلطان سليم الجمعة في المسجد الاموي، والذي دعا له الخطيب بعبارة “حاكم الحرمين الشريفين”، لكن السلطان فضل استخدام لقب أكثر ورعًا هو “خادم الحرمين الشريفين”، واستمر باقي السلاطين من بعده يُلقبون به، حتى توارثه بعدهم ملوك آل سعود.

وبهذا استطاع السلطان سليم الأول ضم بلاد الشام بالكامل واتسعت مساحة الدولة العثمانية بشكل كبير.

فتح مصر

بعد أن انتصر السلطان سليم على المماليك في سوريا، فُتحت أمامه الطريق نحو فلسطين ومصر. هذا ولما وصل خبر موت السلطان الغوري إلى مصر، انتخب المماليك “طومان باي” خلفًا له، وأرسل إليه السلطان سليم يعرض عليه الصلح بشرط اعترافه بسيادة الباب العالي على القطر المصري، فلم يقبل طومان باي بل وقام بقتل الرسل العثمانيين، واستعد لملاقاة الجيوش العثمانية عند الحدود.

والتقت الجيشان عند حدود بلاد الشام حيث هُزمت مقدمة المماليك، وتابع العثمانيون زحفهم نحو مصر، فاحتلوا مدينة غزة على الطريق وساروا عابرين صحراء سيناء حتى وصلوا بالقرب من القاهرة.

معركة الريدانية

 وكان طومان باي مرابطًا في الريدانية، وهي قرية صغيرة تقع على الطريق المؤدية إلى القاهرة، فحفر خندقًا على طول الخطوط الأمامية، ووضع مدافعه الكبيرة وأعد أسلحته وبنادقه وحاول شحذ همة مماليكه وقواته ولكن دون جدوى؛

 لم يكن جيش المماليك بالقوي للوقف اما جيش العثمانيين، فحين علم طومان باي وهو في الريدانية بتوغل العثمانيين في البلاد المصرية حاول جاهدًا أن يقنع أمراءه بمباغتة العثمانيين عند الصالحية، وهم في حالة تعب وإعياء بعد عبورهم الصحراء، لكنهم رفضوا، معتقدين أن الخندق الذي حفروه بالريدانيّة كفيل بحمايتهم ودفع الخطر عنهم.

واندفعت الجيوش العثمانية نحو الريدانية التي لم تغنى عنها تحصيناتها شيء، فقد تحاشت قوات العثمانيين التي تدفقت كالسيل مواجهة المماليك عند الريدانيّة عندما علمت تحصيناتها، وتحولت عنها، واتجهت صوب القاهرة، فلحق بهم طومان باي.

وفي 22 يناير سنة 1517 التحم الفريقان في معركة هائلة، وعلى الرغم من الخيانة التي بدرت من بعض ضباط المماليك، فقد أبدى سلاح الفرسان المملوكي شجاعة كبيرة في ذلك اليوم، فلم تكد المعركة تبدأ حتى هجمت ثلّة من فرسان المماليك المدججين بالسلاح الكامل على قلب القوّات العثمانية حيث كانت تخفق راية السلطان الخاصة، وكان على رأس الثلّة طومان باي نفسه. والواقع أن السلطان سليم لم ينجُ من تلك الهجمة إلا بأعجوبة، فقد أخطأ طومان باي بينه وبين الصدر الأعظم “سنان باشا الخادم”، حيث قبض عليه وقتله بيده ظنًا منه أنه السلطان سليم.

استطعت المدافع العثمانية ترجيح كفة المعركة لصالح السلطان، فاضطر طومان باي ومن بقي معه إلى الانسحاب إلى نواحي الفسطاط، تاركين في ساحة الريدانية آلاف القتلى. وبهذا انتصر السلطان سليم على المماليك واستعدّ لدخول القاهرة، وكان بعد دفع ثمن باهظ من كلا الفريقين.

املاك الدولة العثمانية

معركة الوردان

دخل السلطان سليم القاهرة في 23 يناير سنة 1517 في موكب حافل وقد أحاطت به جنوده الذين امتلأت بهم شوارع القاهرة، يحملون البيارق الحمراء شعار الدولة العثمانية، وكُتب على بعضها “إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا”، وفي بعضها “نصرٌ من الله وفتحٌ قريب”. ولم يكد السلطان يهنأ بهذا الفتح حتى باغته طومان باي في “بولاق”؛ واشترك معه المصريون في هذه الحملة المفاجئة،

لم بكتب النصر لطومان باي ولكنه استمر في المقاومة بكل الوسائل المتاحة حتى وجد انه النصر اداك ان الهزيمة قادمة لا محاله فأرسل إلى سليم يفاوضه في الصلح، فاستجاب له السلطان العثماني، وكتب له كتابًا بهذا، وبعث به مع وفد من عنده إلى طومان باي، إلا أن بعض المماليك هاجموا الوفد وأفنوه عن بكرة أبيه، فغضب السلطان سليم، وخرج لقتال طومان باي بنفسه، والتقى الجيشان قرب قرية “الوردان” بالجيزة حيث دارت معركة حامية استمرت يومين وانتهت بهزيمة طومان باي وفراره إلى البحيرة. وهنا أعلن السلطان سليم أنه يعفو عمّن يستسلم إليه من المماليك، فاستسلم ثمانمائة من زعمائهم إليه، ولكنه أمر بقتلهم جميعًا.

لجأ طومان باي إلى أحد مشايخ البدو بإقليم البحيرة طالبًا منه العون والحماية فأحسن استقباله في بادئ الأمر، ثم وُشي به إلى السلطان سليم، فسارع بإرسال قوة للقبض عليه فأتت به إليه. وكان السلطان قد أُعجب بشجاعة طومان باي وحزمه على القتال والدفاع عن ملكه على الرغم من كل العوائق، فلم يفعل شيئاً سوى معاتبته واتهامه بقتل أفراد الوفد الذي أرسله إليه للصلح، فنفى طومان باي التهمة عن نفسه، وبرر استمراره في القتال بأن الواجب يُحتم عليه ذلك.

نتيجة اعجاب السلطان بجرأة وشجاعة طومان باي كاد أن يعفو عنه، ولكنه لم يفعل تحت تأثير الوشاة الذين حرّضوا السلطان على قتله بحجة أن لا بقاء لملكه في مصر ما دام طومان باي على قيد الحياة. عندئذ أمر السلطان بقتل طومان باي شنقًا، فنُفذ أمره في 13 أبريل سنة 1517 بباب زويله، ودفن الجثمان في القبر الذي كان السلطان الغوري قد أعده لنفسه.

وهنا ينتهي فصل مهم في تاريخ مصر بزوال دولة المماليك وسقطت الخلافة العبّاسية، وتحول مصر الى ولاية عثمانية.

فتح بلاد الحرمين

اقام السلطان سليم الأول بالقاهرة نحو شهر زار في خلالها جميع المساجد التاريخية بالمدينة وكل ما بها من الآثار، ووزع على أعيان المدينة العطايا والخلع السنيّة، ثم حضر احتفال سفر قافلة الحجاج التي تُرسل معها كسوة الكعبة إلى مكة المكرمة وأرسل الصرّة المعتاد إرسالها إلى الحرمين الشريفين.

 وفيما كان السلطان سليم في القاهرة جاء اليه شريف مكة “محمد أبو نمي الثاني بن بركات”، وقد اليه مفاتيح الحرمين الشريفين كرمز لخضوعه واعتراف منه بالسيادة العثمانية على الأراضي المقدسة الإسلامية، وكانت هذه السيادة سابق تعود لسلاطين المماليك وهكذا خضعت بلاد الحرمين لسيطرة العثمانيين من غير حرب أو قتال.

انتهاء الخلافة العباسية

كان الخليفة العباسي “المتوكل على الله”، آخر ذريّة خلفاء بني العبّاس، والذي حضر أجداده الى القاهرة بعد الغزو المغولي لبغداد سنة 1258، وكانت له الخلافة بمصر اسمًا فقط، والتي تنازل عنها لصالح السلطان سليم، والذي اعلن نفسة خليفة للمسلمين في دمشق، وتسلم الآثار النبوية، وهي بيرق وسيف وعباءة النبي صلي الله عليه وسلم. ومن ذلك التاريخ حمل كل سلطان عثماني لقب “أمير المؤمنين” او “خليفة المسلمين”.

فتح الجزائر

بعد فتح مصر على يد العثمانيون سارعوا في محاربة البرتغاليين وانطلق أسطول بحري بقيادة “مير علي بك” إلى الساحل الأفريقي واستطاع تحرير مقديشو ومدنًا أخرى وأنزل بالبرتغاليين خسائر فادحة.

وفي نفس تلك الفترة ظهر القبطان المسلم “خير الدين بربروسا باشا”، وهو من أصول يونانيّة، كان يعمل وأخاه “عرّوج” بالقرصنة ببحر الروم، ثم أسلما ودخلا في خدمة السلطان “محمد الحفصي” صاحب تونس واستمرّا في حرفتهما وهي أسر المراكب الأوروبية التجارية وأخذ كافة ما بها من بضائع وبيع ركّأبها وملاحيها بصفة رقيق.

 أرسل خير الدين بربروسا إلى السلطان سليم إحدى المراكب المأسورة إظهارًا لخضوعهما لسلطانه، فقبلها منهما، وأرسل إليهم السفن ليستعينوا بها على غزو السفن البرتغالية ومساندة الدولة العثمانية في حربها ضد البرتغال، فقويت شوكتهما وأقدم خير الدين على الاستيلاء على ثغر مدينة “شرشال” بالجزائر، ثم عاد إلى تونس وأرسل إلى السلطان سليم بمصر رسولاً يؤكد لديه إخلاصه وولائه للدولة العثمانية

واستطاع عروج الاستلاء على مدينة الجزائر وهزم الجيوش الإسبانية التي أرسلها الإمبراطور “كارلوس الخامس” لمساعدة أمير الجزائر على المقاومة، وفتح أيضًا مدينة “تلمسان”، ثم قُتل اثناء محاربة الإسبان، فحفظ خير الدين على المدن المفتتحة حديثًا ومنع الإسبان من السيطرة عليها وقتل أمير الجزائر.

وفي خضم هذه الأحداث أرسل أهل الجزائر رسالة إلى السلطان سليم بمصر باسم الخطباء والفقهاء والعلماء والتجار والأعيان تطلب الانضواء تحت الراية العثمانية والمساعدة للوقوف في وجه الإسبان والبرتغاليين، فسارع السلطان سليم بمنح بربروسا لقب “بكلر بك الجزائر” وأرسل فرقة من المدفعية وألفي إنكشاري وفتح الباب أمام المتطوعين للذهاب إلى الجزائر لمناصرة أهلها وخص المتطوعين بامتيازات الإنكشارية تشجيعًا لهم كما شرع العثمانيون بإنشاء أسطول بحري ثابت للجزائر، وصُكت النقود باسم السلطان سليم الأول، ودعي له على منابر المساجد في خطب الجمعة، لتصبح بذلك الجزائر ولاية عثمانية.

وفاته السلطان سليم الاول

في اثناء استعداد السلطان سليم وتجهيزه للجيش لمهاجمة الشاة إسماعيل أصاب بمرض عضل واختلفت المصادر حول هذا المرض، والبعض يتهم طبيه الخاص بتسميمه ولكنه استمر في التقدم حتى وصل الى ادرنه، وهناك وفته المنية، ولكن أخفى طبيبه الخاص خبر موته عن الحاشية ولم يبلغه إلا للوزراء، فاجتمع كل من پير محمد باشا وأحمد باشا ومصطفى باشا، وقرروا إخفاء هذا الأمر حتى يحضر الأمير سليمان من إقليم صاروخان خوفًا من أن تثور الإنكشارية كما هي عادتهم عند تولّي كل سلطان.

 فأُرسل إلى سليمان خبر موت أبيه، فقام قاصدًا القسطنطينية حتى وصل الصدر الأعظم پير محمد باشا من أدرنة وأخبر عن وصول جثمان السلطان سليم في اليوم التالي. وعند ظهر يوم 30 سبتمبر وصل الجثمان، فخرج السلطان سليمان والوزراء والأعيان لمقابلة النعش خارج المدينة، ثم ساروا في موكب الجنازة حتى واروا سليمًا التراب على أحد مرتفعات المدينة، حيث كان يبني مسجدًا يحمل اسمه، وأمر السلطان ببناء مدرسة وعمارة لإطعام الفقراء صدقة على روح والده.

لتنتهي حياة السلطان السليم الغازي وهو واحد من أكثر السلاطين العثمانيين الذين قدو أكثر حياتهم على صهر الجواد في ساحات المعارك.

مصادر المقال

حياة السلطان سليم الاول 

84 / 100
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق