شخصيات تاريخية

السلطان محمد الثاني | محمد الفاتح

 طالما زخر التاريخ الإسلامي بالشخصيات التاريخية التي أثرت عبر مر العصور على تاريخ العالم، اليوم أبو العريف يبحر عبر الزمان ليحضر لنا شخصية السلطان محمد الثاني – محمد الفاتح.

محمد الثاني بن مراد الثاني والملقب بالفاتح هو أحد أعظم ملوك الدولة العثمانية، وسابع سلاطينها، ولد في 20 ابريل بمدينة أدرنة عاصمة الدولة العثمانية في ذلك الوقت، لقب السلطان محمد الثاني بعدة القاب منها الفاتح، خان، وأبو الفتوح، والغازي، وصاحب النبوءة، والتي ترجع الى نبوية فتح القسطنطينية المعروفة في الحديث النبوية الشريف.

وصول السلطان محمد الفاتح إلى العرش

كتب للسلطان محمد الفاتح أن يجلس على عرش الدولة العثمانية مرتين، وكانت المرة الأولى بعيد وفاة شقيقه الأكبر الأمير علاء الدين واعتزال والده السلطان مراد الثاني الحياة السياسية بعد الهزيمة النكراء التي وقعت به على يد التحالفٍ الصليبي، فانقطع للعبادة في تكية مغنيسية وترك شؤون الحكم لولده، وفي تلك الفترة كان السلطان الجديد ما يزال قاصرًا، فلم يتمكن من احكام سيطرتها كل شئون الحكم.

في نفس الوقت قامت الدول الاوربية التي كانت قد ابرمت معاهدات مع الدولة العثمانية باستغلال صغر سن الأمير ففسخت الهدنة التي أبرمتها مع والده، وجهزوا جيوشاً لمحاربة الدولة العثمانية، مما أجبر السلطان مراد على الخروج من عزلته والعودة إلى الحكم لإنقاذه الدولة الأخطار المحدقة بها.

فعد الجيوش والتقى بالجيوش الصليبية عند مدينة وارنة البلغارية وانتصر عليها انتصارا ساحق كبيرًا، ثم عاد إلى عزلته مرة اخري لكنه لم يلبث بها طويلًا هذه المرة أيضًا، لأن عساكر الإنكشارية ثاروا كعادتهم ضد السلطان محمد الفتى، وعاثوا فسادًا في العاصمة أدرنة، فجبر السلطان مراد على العودة مرة اخري إلى الحكم وأشغل جنوده بالحرب في أوروپا، وبالأخص في الأرناؤوط، لإخماد فتنة إسكندر بك الذي شق عصا الطاعة وثار على الدولة العثمانية، لكن المنية وافت السلطان قبل أن يتم مشروعه بالقضاء عليه  فاعتلى ابنه محمد العرش للمرة الأخرى، وهذه المرة قد للدولة العثمانية ان تعيش العصر الذهبي بل والعالم الإسلامي كله.

ولما تولى محمد الثاني حكم السلطنة لمرة الثانية بعد وفاة ابيه لم يكون في اسيا الصغرة سوى جزء من بلاد القرمان وبعض مدن ساحل البحر الأسود وإمبراطورية طرابزون الرومية، هم الخارجين عن سيطرة الدولة العثمانية.

في نفس الوقت كانت الإمبراطورية البيزنطية قاصرة على مدينة القسطنطينية وضواحيها. وكان إقليم المورة مجزأ بين البنادقة وعدة إمارات صغيرة يحكمها بعض أعيان الروم الذين تخلفوا عن إخوانهم بعد انتهاء الحروب الصليبية. وبلاد الأرناؤوط وإپيروس في حمى المنشق إسكندر بك.

حلم فتح القسطنطينية

منذ البداية السلطان الشاب يسعى لتحقيق وصية ولده بفتح القسطنطينية واستكمال فتح ما بقي من بلاد البلقان أيضًا حتى تكون أملاكه متصلة لا يتخللها أعداء او ثغرات أمنية.

في عام 1453 قام السلطان محمد بمحاصرة اسوار القسطنطينية بعد أن اعد جيشاً عظيما لقتال البيزنطيين مزودا بالمدافع الكبيرة، وأسطولًا ضخمًا، وبهذا تمكن من محاصرة المدينة برا وبحرا. واستمر الحصار لمدة شهر حتى تهدمت أجزاء من أسوار المدينة، وستطاع العثمانيون التدفق اليها من خلال الثغرات والوصول الى قلب القسطنطينية، فسقطت في أيديهم وأصبحت جزءًا من ديار الإسلام.

اعتبر المؤرخين ان سقوط مدينة القسطنطينية هو انتهيت الإمبراطورية البيزنطية بعد أن استمرت أحد عشر قرناً، كما اعتبر نهاية العصور الوسطى وبداية الحقبة الحديثة، ومنذ ذلك الوقت عرفت القسطنطينية باسم إستانبول أو الآستانة، ولقب السلطان محمد بالفاتح.

السلطان الفاتح

الفتوحات الإسلامية بعد سقوط القسطنطينية

لما يكن لقب الفاتح نتيجة فتح القسطنطينية فقط وان كان أهمها فتح العاصمة البيزنطية التي ظلت عاصية على المسلمين عدة قرون، ما لبث سقوط القسطنطينية يمر حتى انسابت موجات الفتوحات الإسلامية في البلقان بقيادة السلطان محمد، مما أثار مخاوف الدول الأوروپية، فشنت على العثمانيين حربًا طويلة بزعامة جمهورية البندقية، وحاولت هذه القوى التحالف مع بعض أعداء السلطنة في آسيا، لكن محمد الفاتح تمكن من هزيمة هذا التحالف، وأجبر البنادقة على توقيع معاهدة صلح مع العثمانيين بعد حوالي 16 سنة من القتال المستمر بينهم.

أستطع محمد الفاتح توسيع رقعة الدولة العثمانية وتوغل في اوروبا وامن حدود دولته وأستطع فتح إمبراطورية طرابزون والصرب والبشناق والأرناؤوط وأغلب أقاليم آسيا الصغرى، ولم يبق في البلقان سوى مدينة بلغراد التابعة للمجر وبعض الجزر التابعة للبندقية.

تعرف على مسيرة سليم الاول العثمانى مع ابو العريف

إصلاحات محمد الفاتح لتأسيس الدولة

عند وفاة محمد الفاتح، كانت خريطة الدولة العثمانية ومكانتها في العالم قد تغيرت من أساسها؛ فقد اتسعت رقعتها وشمت حدودها الكثير من قارتي اسيا وتشمل، حيث وصلت بين شمال البحر الأسود وأوروبا الشرقية. كما أصبحت الأولى بين الدول الأوروپية من حيث تعداد السكان.

وضع محمد الفاتح الأساس الذي تم تنظيم الدولة العثمانية عليه والتزم به من جاء من بعده، فستطاع السلطان تنظيم الأوضاع الحكومية للدولة العثمانية، حيث وضع أنظمة جديدة سار عليها من جاء بعده من سلاطين الدولة العثمانية، فأطلق على الحكومة العثمانية اسم «الديوان الهمايوني»، وجعل لها أربعة أركان، هم: الصدر الأعظم، وقاضي العسكر والدفتردار، وهو ماسك السجلات المالية، والنيشانجي، وهو كاتب سر السلطان.

ينسب للسلطان وضع دستور الدولة والذي سمي دستور الفاتح وكان بالتعاون مع الصدر الأعظم محمد باشا القرماني وكاتبه محمد چلبي ليث زاده، والذي بقيت مبادئه الأساسية سارية المفعول في الدولة العثمانية حتى سنه 1839م.

الإصلاحات العسكرية

نتيجة توسع الدولة انشاء السلطان وظيفة قاضي عسكر الروملي ووظيفة قاضي عسكر الأناضول، وحدد اختصاصهما بالتعيين في مناصب القضاء، باستثناء بعض الوظائف الخاصة التي اختص بها الصدر الأعظم.

كما رتب السلطان وظائف الجند، فعين قائدًا خاصًا لجيش الإنكشارية، سماه آغا، بالإضافة الى تعين قائدًا آخر لسلاح المدفعية، وثالثًا مسؤولًا عن تموين الجيش.

اهتم الفاتح خلال سنين الحكم على مضاعفة قدرات الجيش العثماني، فحدث تطوير كبير في الاسطول البحري وزاد اعدد السفن وتم تزويدها بالمدفعية، كما انه جعل من الجيش قوةً ضاربة كبيرة جدًا وعزز من قدرته من خلال تطوير سلاح المدفعية واستخدمها كعنصر استراتيجي فعال في المعارك.

الإصلاحات المدنية لمحمد الفاتح

اما في الجانب المدني فيعد من أهم إصلاحات السلطان الفاتح هي ترتيبه وظائف القضاء، ووضعه مبادئ القانون المدني وقانون العقوبات. فأبدل العقوبة العينية ووضع مكانها غرامات نقدية،

 كما اهتم السلطان بشكل خاص برجال القضاء، فأغدق عليهم في الرزق لسد سبل الإغراء والرشوة، وأحاط منصبهم بهالة مهيبة من الحرمة والجلالة والقداسة حرم مساسها من قبل الآخرين.

 وبنى الفاتح العديد من المساجد في إسلامبول وغيرها من المدن التي افتتحها، وأنشأ الكثير من المكاتب والمدارس التي أوقف عليها الأوقاف، ورتبها على درجات ومراحل، ووضع لها المناهج، وحدد العلوم والمواد التي تدرس في كل مرحلة، وفرض الامتحانات، فلا ينتقل الطالب من مرحلة إلى مرحلة أخرى أعلى منها إلا بعد أدائه امتحان يخوله ذلك، كما أدخل في مناهج التعليم نظام التخصص.

بجانب المدارس، انشاء الخانات والبيمارستانات والحمامات والأسواق والحدائق العامة، وأدخل المياه إلى المدن بواسطة قناطر خاصة، وشجع على تشييد المباني وإنشاء الدكاكين.

يعد أبرز المنشآت المعمارية للسلطان محمد المسجد الجامع والذي سمي باسمه (مسجد الفاتح)، والبازار الكبير المشتمل على أكثر من 60 شارعا ونحو 400 حانوت، والسراي السلطانية العتيقة التي كانت قائمةً في وسط إسلامبول ثم زالت نهائيًا، وسراي طوپ قاپي، التي عرفت حتى القرن الثامن عشر الميلادي بـ «السراي الجديدة العامرة»، والتي بقيت نزل سلاطين بني عثمان حتى بني قصر طولمة باغجة سنة 1856م.

المظاهر الحضارية في عهد محمد الفاتح

تميز عهد محمد الفاتح بالمزج بين الحضارية الإسلامية والمسيحية، حيث استوعبت الدولة العثمانية الكثير من اثار الحضارية الإمبراطورية البيزنطية، وعملت على إحياء بعضها وصبغه بصبغة إسلامية جديدة، فانتعشت عاصمة الروم العتيقة، وأصبحت إحدى أهم المراكز الثقافية في العالم الإسلامي، خاصة بعد ان بني السلطان عدة مدارس ومكتبات وتكايا ومؤسسات خيرية ووقفية بالمدينة.

وامتزج المجتمع بالعجيج من الطوائف فقد ابقي السلطان محمد الفاتح على السكان الاصلين للقسطنطينية من المسيحيين واليهود في سبيل الاستفادة من خبراتهم، كما شجع المسلمين على الانتقال إليها في سبيل الاستفادة من مزاياها التجارية وعلم أهلها.

شهد عهد محمد الفاتح أيضًا دخول أعداد كبيرة من الأرناؤوطيين والبشناقيين في الإسلام، وقد قدر لبعض هؤلاء أن يلعب أدوارًا بارزةً في الميادين العسكرية والمدنية في التاريخ العثماني لاحقًا.

عن السلطان محمد الفاتح

كان السلطان محمد على درجه عالي من الثقافة، وكان يتحدث عدة لغات إلى جانب لغته التركية الأم، وهي: العربية والفارسية والعبرانية والرومية واللاتينية والصربية. كما تمتع محمد الفاتح بمهاراتٍ إداريةٍ فذة، فأصدر الكثير من القوانين العرفية لتنظيم الحكم في دولته، وكان له اهتمامات وهوايات عديدة، كالبستنة وصناعة الخواتم، لكن شغفه الحقيقي كان رسم الخرائط.

وكان محمد الفاتح تقيًا صالحًا ملتزمًا بحدود الشريعة الإسلامية، وفي ذلك يقول المؤرخ أحمد بن يوسف القرماني: «…وهو السلطان الضليل، الفاضل النبيل، أعظم الملوك جهادًا، وأقواهم إقدامًا واجتهادًا، وأكثرهم توكلًا على الله تعالى واعتمادًا. وهو الذي أسس ملك بني عثمان، وقنن لهم قوانين، صارت كالطوق في أجياد الزمان. وله مناقب جميلة، ومزايا فاضلة جليلة، وآثارٌ باقيةٌ في صفحات الليالي والأيام، ومآثرٌ لا يمحوها تعاقب السنين والأعوام.

وفاة السلطان محمد الفاتح

يوم 26 صفر 886هـ الموافق فيه 25 نيسان (أبريل) 1481م، غادر السلطان محمد مدينة إسلامبول وعبر إلى أسكدار على الضفة الشرقية للبوسفور في 25 ابريل عام 1481، ونصب السرادق السلطاني في موضعٍ يقال له تكفور چايري، وشرع في الاستعداد لحملةٍ كبيرة اتفاق عدد من المؤرخين انها كانت موجهة إلى إيطاليا، لكن داهمه مرض مفاجئ ادي الى وفاته.

واختلف المؤرخين حول سبب الوفاة منهم من ارجعه الى نتيجة اهمال طبي والبعض الاخر ارجه سبب الوفاة التي سم دس الي السلطان من أحد اطبائها، ولكن في النهاية لا يسعنا سوي قول رحم الله السلطان الفاتح.

مصادر عن محمد الفاتح

81 / 100
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق